شارل هوبير

28

رحلة في الجزيرة العربية الوسطي

وهو زنجي جميل قامته 75 ، 1 متر ، في العقد الخامس من العمر تقريبا ، ينضح وجهه ذكاء . لا تفارق الابتسامة شفتيه وتصرفاته في غاية اللباقة وقد استقبلني دوما بكثير من الترحاب كما وأنه أجلسني دائما في مقعد الشرف ليس في مضافته فحسب بل أيضا عندما كان يقصدني . في كل زياراتي كان يطلب تقديم الماء المحلّى الساخن ( وهو الشاي البدوي ) والقهوة بوفرة ثم يطلب جلب أفضل التمر مع الزبدة . وقبل كل شيء كان يطلب إعداد نارجيلته الخاصة خصيصا لي . وهو يدخن بالفعل ، وإذا كان يسمح لنفسه هذا الخرق الخطير لمعتقدات الوهابيين المتزمتة فهو في المقابل شديد التقيد بتلك التي تحرّم الموسيقى والغناء . الجوف التي كانت في منتهى المرح فيما مضى حسب بلجريف ، لم تعد تحوي اليوم ربابة واحدة . وقد ذهب في حفاوته في محادثتنا الأولى إلى حد القول لي : " مسلم أو نصراني سوا سوا " أي " المسلمون والمسيحيون سواسية " . الجوف ، إحدى أقدم واحات الجزيرة العربية ، حملت لقبها هذا مع بطليموس وقبل ذلك بكثير تحدث عنها عدد كبير من المؤلفين العرب . فقد أطلق عليها أو لهم اسم " دميثه " فيما سماها الآخرون دومة الجندل « 1 » وهو الاسم الذي تعرف به عند العرب الحاليين . وأحد النصوص الآشورية التي أوردها م . رولنسن تذهب إلى حد افتراض وجود هذه البلدة في القرن السابع قبل الميلاد تحت اسم " دومات " مع ملك يدعى " أكبر " « 2 » هزم في حملة شنتها الجيوش الآشورية في عهد اسوراحدين ( 680 - 669 ق . م ) . لكننا لا نعرف عن هذه البلدة سوى اسمها ولا بد لنا من الوصول إلى الهجرة لنخرج إلى النور . ففي ذلك الحين كان ملكها من قبيلة كنده يدعى عقيدر Okeider ( أكيدر ) وكان نصرانيّا أرسل إليه النبي محمد [ صلّى اللّه عليه وسلّم ] جيشا مؤلفا من أربعمئة فارس لإخضاعه وجعله يعتنق الإسلام . هذه القلة من الرجال حاصرته وأجبرته على الاستسلام مما يعطي فكرة هزيلة عن قوة أو شجاعة الأمير ، أو عن حب

--> ( 1 ) يأتي اسم جوف عمير الذي تحمله عند بعض المؤلفين ، من قبيلة بني عمير الذين رفعوها من اطلال دومة الجندل القديمة . ( 2 ) J . Havlevy , Essai Sur les inscriptions du Safa , Extraits du Journal Asiatique , Septie ? me Se ? rie , Tome IV , Ernest Leroux , Paris , De ? cembre 1874 .